السيد حيدر الآملي

454

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

--> فنقول : لا خلاف ولا شكّ في أنّ النّار دائميّ أبديّ بالنسبة إلى بعض النّاس ، كما تدلّ عليه الآيات والأحاديث مثل قوله تعالى : كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ [ البقرة : 167 ] . وأمّا العذاب ، فهل هو أيضا مستمر وأبديّ بالنسبة إلى البعض كما هو محقّق ابتداء ، أم لا بل يتبدّل العذب مع بقاء النّار على حالها ؟ . المشهور عند المحققين من علماء المسلمين : أنّ العذاب أبديّ كما أنّ النّار أبديّة ، كما يستفاد من الآيات القرآنيّة وسيأتي بيانه . ولكن يرى بعض المحققين في بعض أحوالهم وقال في بعض أقوالهم : بأنّ العذاب سوف ينقطع وينتهي ولو أنّ النّار تبقى أبدا . قال الشيخ الأكبر محيي الدين العربي . « يدخل أهل الدارين فيهما السعداء بفضل اللّه وأهل النّار بعدل اللّه ، وينزلون فيهما بالأعمال ويخلدون فيهما بالنيّات ، فيأخذ الألم جزاء العقوبة موازيا لمدّة العمر في الشرك في الدنيا ، فإذا فرغ الأمد جعل لهم نعيم في الدار الّتي يخلدون فيها بحيث إنّهم لو دخلوا الجنّة تأمّلوا لعدم موافقة الطبع الّذي جبلوا عليه ، فهم يتلذذون بما هم فيه من نار وزمهرير وما فيها من لدغ الحيّات والعقارب كما يلتذّ أهل الجنّة بالظلال والنور ولثم الحسان من الحور ، لأنّ طبائعهم يقتضي ذلك » . ( راجع الأسفار ج 9 ، ص 349 ) . وقال أيضا : « وقد وجدنا في نفوسنا ممّن جبل على رحمة لو حكمه اللّه في خلقه لأزال صفة العذاب عن العالم ، واللّه قد أعطاه هذه الصفة ومعطي الكمال أحقّ به ، وصاحب هذه أنا وأمثالي ، ونحن عباد مخلوقون أصحاب أهواء وأغراض . ولا شكّ أنّه - سبحانه - أرحم بخلقه ، وقد قال عن نفسه - جلّ علاؤه - : إنّه أرحم الراحمين ، فلا شكّ أنّه أرحم منّا بخلقه ، ونحن عرفنا من نفوسنا هذه المبالغة